عن المحرك البخارى و علم الإحصاء و الكوليرا

Wednesday, 24 May 2017
عن المحرك البخارى و علم الإحصاء و الكوليرا

بقلم / حسام الجبرتي

لماذا تحدث فقط بعض التفاعلات بطريقة تلقائية و بعضها لا؟

كلنا نعلم أن بعض الظواهر فى الطبيعة تحدث بطريقة تلقائية و البعض لا. عندما نلقى نقطة حبر فى الماء تنتشر، لكننا لا نرى الحبر أبدا يتجمع تلقائيا فى نقطة واحدة مرة أخرى، لماذا؟ لماذا عندما نضع مكعبا من الثلج فى الماء يذوب الثلج و يبرد الماء؟ ما الذى يمنع الثلج من أن يزداد برودة و الماء من أن يزداد حرارة؟ (نظريا لا يتعارض هذا مع قانون حفظ الطاقة، فقط إزدياد فى “عدم المساواة” بين الثلج و الماء على غرار ما بين لنا توماس بيكيتى أنه يحدث فى توزيع الثروة بين الفقراء و الأغنياء), أذكر تحديدا أننى فى الصف الثانى الثانوى سألت مدرس الكيمياء عن "القوة الدافعة للتفاعلات الكيميائية"، لماذا تحدث فقط بعض التفاعلات بطريقة تلقائية و بعضها لا؟ (و هذا سؤال مختلف عن "سرعة" حدوث التفاعل) قال المدرس وقتها أن هذه سفسطة لا فائدة منها. عرفت بعد ذلك أن كل هذه الأسئلة مرتبطة جدا، و أنها من أكثر الاسئلة مركزية فى الكيمياء، و علمت كذلك أن الإجابة – على الأقل فى بعض وجوهها – بسيطة تكاد تكون تطبيقا للمنطق المباشر لا غير. العلم الذى أجاب على هذه الأسئلة يعرف – لأسباب تاريخية بحتة – باسم "الديناميكا الحرارية”. لماذا يجيب علم يبدو من اسمه أنه يتناول التأثير الحركى للحرارة،على هذه النوعية من الأسئلة؟

الديناميكا الحرارية 

القصة تبدأ فى الربع الأول من القرن التاسع عشر مع مهندس فرنسى شاب اسمه "سادى كارنو". الاسم يبدو غريبا على الفرنسية، فهو النطق الفرنسى للاسم العربى "سعدى"، على اسم الشاعر الفارسى "سعدى الشيرازى". درس كارنو فى "الإيكول بوليتيكنيك" التى تم تأسيسها بعد قيام الثورة الفرنسية ببضعة أعوام لتأهيل مهندسين للخدمة فى الجيش، و ضمت أسماء لامعة مثل لاجرانج و فوريير و أمبير و بواسون. حارب كارنو وهو لا يزال طالبا مع نابليون ضد قوات التحالف و التى هزمت الأخير فى واترلو. بعد فترة خدمة وجيزة تقاعد كارنو فى عام 1820، و هو فى سن الرابعة و العشرين، بهدف التفرغ للدارسة و العلم. من المعلومات المتوفرة عن شخصية كارنو و إهتماماته يبدو أن ميوله الهندسية العملية كانت أكبر من ميله للفيزياء البحتة، و يبدو أنه فى هذه الفترة (1819-1820) بدأ اهتمامه بمعجزة الثورة الصناعية: "المحرك البخارى". لا شك أن هذا الإهتمام كان جزءا من سياق عام فى فرنسا يحاول اللحاق بركب الثورة الصناعية البريطانية و التى كانت سابقة لفرنسا – وللعالم كله- بحوالى نصف قرن. فى عام 1824 أصدر كارنو كتابه "تأملات فى القدرة الدافعة للنار و فى الأجهزة المهيئة لتطوير هذه القدرة". فى كتابه هدف كارنو لجذب انتباه الرأى العام الفرنسى للمحرك البخارى و للإمكانات العملية اللامتناهية التى تهيئها هذه "التكنولوجيا"، و هو ما تناوله كارنو فى صدر الكتاب برؤية ثاقبة و استشراف لمستقبل المحرك البخارى بتفاصيل ثبتت صحتها بعد ذلك. لكن على أهمية هذا الهدف، فما حققه الكتاب يتجاوزه بمراحل بعيدة جدا. فبعد هذه البداية يشرع كارنو فى محاولة لفهم كيفية تصميم محرك ذو كفاءة أعلى و بالتالى فى محاولة فهم الحدود النظرية لقدرة المحرك البخارى بصورة عامة، و فى محاولته الإجابة على هذا السؤال العملى إخترع الديناميكا الحرارية! للوصول لهدفه وضع كارنو نموذج رياضى مبسط للمحرك البخارى “المثالى”. التحدى فى مثل هذه النماذج الرياضية هى أن نضع فيها التفاصيل الهامة – و الهامة فقط – لنصل لفهم جيد للظاهرة محل البحث، إغفال تفاصيل مهمة يؤدى لنتائج لا قيمة واقعية لها، و إستخدام تفاصيل أكثر مما ينبغى يعقد النموذج و يحجب عنا فهم جوهر المسألة. كارنو حلل المحرك البخارى ببساطة و عبقرية عادة نجدهما متلازمتين، فالرياضيات التى استخدمها بسيطة للغاية، أما الفهم الذى نخرج به من النموذج فهو عميق و توابعه بعيدة جدا لدرجة أنها لم تفهم تماما مباشرة وقتها. نضيف إلى هذا أن كارنو فعل كل ذلك بدون أن يعلم شيئا عن قانون حفظ الطاقة، (وقتها لم يكن "قانون حفظ الطاقة"، و هو القانون الأول للديناميكا الحرارية، مفهوما بعد!)، و كذلك بدون أن يعلم شيئا عن إمكانية تحول العمل الميكانيكى لحرارة و العكس (بعض المؤرخين يرون أنه أدرك هذه العلاقة بعد صدور الكتاب)، و كذلك بدون فهم لطبيعة الحرارة ذاتها! (الفهم الخاطىئ السائد وقتها كان يزعم أن الحرارة كميتها محفوظة كالطاقة). مع كل ذلك كان تحليل كارنو و إستنتاجاته سليمة تماما و قائمة على منطق علمى بارد لا تشوبه شائبة.

 

لم يترجم الكتاب للإنجليزية إلا فى عام 1890 (توجد طبعة حديثة منه من إصدار دار دوفر للنشر)، و الحقيقة أن هذا الكتاب – كالكثير من الكتب العظيمة – قد أسيء فهمه لأن القليل جدا قد قرأوه بالفعل. لكن تحليل كارنو للمحرك البخارى انتشر أسرع كثيرا، فقد قام كلابيرون و كلاوزيوس و طومسون (لورد كلفين) بنشر تعليقات عليه حازت انتشارا واسعا بحلول منتصف القرن التاسع عشر، و من ثم ولدت رسميا “الديناميكا الحرارية”، و أصبحت نظرية كارنو هى إحدى صيغ القانون الثانى للديناميكا الحرارية. فى محاولة من كلاوزيوس لتبسيط عمل كارنو، قدم إشتقاقا رياضيا أبسط لكنه افترض فيه أن الحرارة (لا الطاقة) هى كمية محفوظة، و ظن الكثيرون أن المنطق الذى بنى عليه كارنو نظريته كان خطأ. لكن منطق كارنو المحكم كان سليما تماما، فقط تبسيط كلاوزيوس كان هو المعيب.  فى تحليله قدم كلازويوس أيضا قيمة رقمية، سماها الإنتروبى، من خصائصها أنها لابد و أن تزداد قيمتها الكلية عند حدوث أى تغير تلقائى فى الطبيعة. إنتشار الحبر فى الماء يزيد من قيمة الإنتروبى و بالتالى يحدث تلقائيا، العكس يقلل الإنتروبى و بالتالى لا يحدث. أصبحنا نمتلك الآن معيارا رياضيا لتمييز العلميات التلقائية عن غيرها!

Entropy

:الرقم السحرى الذى يحدد تلقائية أو عدم تلقائية أى ظاهرة طبيعية 

لكن ما هى الإنتروبى حقا؟ ما هذا الرقم السحرى الذى يحدد تلقائية أو عدم تلقائية أى ظاهرة طبيعية؟ القدرة على حساب قيمة الإنتروبى لتمييز العمليات التلقائية مفيد، لكنه لا يجيب حقا سؤال “لماذا؟” الذى بدأنا به. سيتطلب الأمر جيلا آخرا من العلماء (على رأسهم لودفيج بولتسمان) لفهم أن الإنتروبى هى قيمة إحصائية. العلاقة التفصيلية بين الإنتروبى و الإحصاء هى محور علم "الديناميكا الحرارية الإحصائية" ، أحد الأعمدة الرئيسية للكيمياء الفيزيائية. فى أبسط تفسير الإنتروبى هى مقياس للإحتمالات: العمليات التلقائية تحدث لأن إحتمالاتها عالية، و العكس صحيح، أى ان تجمع نقطة الحبر تلقائيا ممكن الحدوث، لا قانون يمنع ذلك، نحن فقط لا نراه أبدا (و بالتالى نعتبره غير تلقائى) لأن إحتمال حدوثه ضعيف جدا و عمرنا البشرى (و ربما عمر الكون) لا يكفى لكى تحدث مثل هذه الظاهرة و لو لمرة واحدة. من الممكن أن نقول أن أحد توابع القانون الثانى للديناميكا الحرارية هى أن “المعجزات ممكنة الحدوث، هى فقط نادرة جدا”. مفهوم الإنتروبى أحاطه الكثير من الغموض و "الميثولوجيا"، فمركزيته فى العلوم الطبيعية دفعت الكثيرين لمحاولة تبسيطه و شرحه على أنه "مقدار العشوائية"، أو بربطه بسير الزمن فى إتجاه واحد دائما، لكن هذه المحاولات و إن إكتسبت صيتا واسعا إلا أنها أسهمت فى خلق هالة أكبر من الغموض و الضبابية – لا الفهم - حول المفهوم (فما هى العشوائية؟ و كيف يمكن تقديرها رقميا؟). من اللافت للنظر أنه فى عام 1948، قام كلود شانون – و هو أيضا مهندس و رياضياتى – بتطوير تفسير جديد  منضبط للإنتروبى فى إطار "نظرية المعلومات"، و هى وجهة نظر أضافت عمقا شديدا لفهمنا الحديث للإنتروبى. بهذا نجد أن مثلين من الأمثلة النادرة التى يساهم فيها مهندسون فى تطوير مفاهيمى أساسى فى علوم الطبيعة النظرية، كلاهما مرتبط إرتباطا وثيقا بالإنتروبى.

 

من العجيب أن موت كارنو إرتبط أيضا بظاهرة كانت محاولة فهمها لها علاقة وثيقة بتطور علم الإحصاء الحديث. فى عام 1817 انتشر وباء الكوليرا فى دلتا نهر الغانج شمالى الهند، و من هناك بدأ الوباء زحفا قاتلا نحو الغرب. لأكثر من عقد و نصف من الزمان استمرت الكوليرا فى زحفها بمعدل متوسط خمسة أميال فى اليوم، متجاوزة الجبال و البحار و حتى الرياح المعاكسة، و حاصدة فى طريقها مئات الآلاف من الأرواح. المرض – ككل ما هو قادم من الشرق - كان غامضا للأوروبيين، لم يكن مفهوما كيف ينتشر و كيف يقتل و وقفت السلطات عاجزة تماما عن وقف زحفه المرعب فى مدن صناعية مكتظة بسكان فقراء يعيشون فى أحياء تفتقد لأية معايير صحية سليمة. بعد ثبوت عبثية كل محاولات فهم الوباء (بما فى ذلك إلقاء اللوم على الفقراء و “قذارتهم”) لجأت السلطات لعلم الإحصاء بحثا عن إجابات (و عن وسائل للسيطرة على "الأفكار الهدامة" و القلاقل التى انتشرت بين الفقراء نتيجة للفوضى التى خلفها المرض). بينت الجداول الإحصائية علاقة رياضية مباشرة بين إنتشار الكوليرا و بين الإرتفاع فوق مستوى نهر التيمز، كما بينت مدى تردى أوضاع الطبقات الفقيرة و أن الإستمرار هكذا يهدد بإنفجار. كانت نتيجة هذه المحاولات بزوغ علم الإحصاء الطبى و تأسيس مكتب “السجل العام” بهدف جمع الإحصائيات الديموغرافية كوسيلة لفهم المجتمع و "السيطرة عليه"، فى تواز  ملفت مع استخدام الديناميكا الحرارية و قوانين نيوتن فى فهم الطبيعة و السيطرة عليها (و الجملة الأخيرة ليست تحليلا بأثر رجعى، و لكنها قناعة وليام فار، أحد مؤسسى علم الإحصاء الطبى و المدير الأول لمكتب “السجل العام”). فى عام 1832 وصلت الكوليرا إلى باريس و حصدت حوالى عشرين ألف روح، من بينها سادى كارنو، الشاب الإنطوائى العبقرى ذو الستة و ثلاثين عاما. كعادة ضحايا الكوليرا فى ذلك الوقت، تم دفن جثمان كارنو مع أغلب ممتلاكته و أوراقه و مذكراته. نعلم أن كارنو فى سنينه الاخيرة كان مهتما بالعلاقة بين حرارة الغازت و ضغطها، لكننا فقدنا تفاصيل ما وصل إليه عقله اللامع، و لا نملك إلا أن نتخيل كيف كان سيختلف تاريخ تطور العلوم الطبيعية مع عقل عنده هذه القدرة الفذة على التحليل.

 

قد يرى البعض فى إنجاز كارنو العلمى دليلا على أهمية وضع التطبيقات البشرية نصب أعيننا فى البحث العلمى و على مركزية المنهج التجريبى فى التطور التكنولوجى. البعض من ناحية أخرى قد يرى فيه دليلا آخرا على عادة الكشوفات العلمية فى أن تتجاوز بتوابعها ما قد يتخيله أصحابها أنفسهم، و أن الأهم هو القدرة على التحليل العميق المجرد بمنطق علمى سليم قادر على تجريد التفاصيل الكثيرة و الوصول للجوهر بغض النظر عن أسئلة اللحظة و الواقع. أيهما صواب؟ قد تكون الإجابة النهائية على هذا السؤال – إن وجدت - غير مهمة ، قد يكون الأهم هو أن يملك كل باحث إجاباته الخاصة به.

Featured video

What is Nawah? What is Nawah?