Articles

عشرة سنوات على جائزة نوبل في الخلايا الجذعية المستحثة: أين نحن الآن؟

  • تعرفنا سابقا (مقال 1) على أنواع الخلايا الجذعية المختلفة من حيث مقدرتها على التمايز لخلايا الجسم واستخداماتها في الطب التجديدي والاستشفاء من تلف وفشل الأعضاء. يحل هذا العام بعد عشرة أعوام على منح جائزة نوبل في الطب -مناصفة- عام 2012 للعالم شينيا ياماناكا والذي ابتكر طريقة لتحويل خلايا الجلد الليفية Fibroblasts إلى خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات induced pluripotent stem cells للمرة الأولى من خلايا الفئران عام 2006، ومن الخلايا البشرية عام 2007، حيث تم إعادة برمجتها لتصبح مشابهة وظيفياً للخلايا الجذعية الجنينية وقادرة على التميز إلى أنواع متعددة من الأنسجة. المميز في هذه الطريقة أنه يمكن الحصول على خلايا من جسم المريض وتحويرها معمليا لتصبح خلايا جذعية مستحثة يمكن استخدامها لعلاج المريض ذاته autologous وبذلك يتغلب على الرفض المناعي الذي قد يصاحب العلاج الخلوي و أيضا الحصول على هذه الخلايا يتجنب إثارة الجدل الأخلاقي الذي يصاحب الحصول على الخلايا الجذعية الجنينية. لهذا فإن الخلايا الجذعية المستحثة قد نالت استحسان كثيرا من العلماء بغرض الاستخدام في العلاج الخلوي والطب التجديدي مما استوجب منح جائزة نوبل للعالم شينيا ياماناكا عن هذه الطريقة المبتكرة.
  • في هذا المقال سنلقي الضوء على هذه الخلايا وما الذي حققته من تطور في مجال الطب التجديدي.
  • 1-كيف يتم انتاج الخلايا الجذعية المستحثة بطريقة شينيا ياماناكا؟

  • اختار ياماناكا 24 جينًا تم التعرف عليهم كجينات مهمة في الخلايا الجذعية الجنينية وفي الحفاظ على تعدد قدراتها. تم تحميل المادة الوراثية الخاصة بهذه الجينات على فيروسات قهقرية retroviruses لإيصال هذه المواد الوراثية لخلايا الجلد من الفئران حتى توصل إلى أن هناك 4 جينات هامة جدا ومسؤولة عن الحصول على صفات الخلايا جذعية متعددة القدرات وهم Oct-3/4، SOX2، c-Myc، وKlf4. هذه الجينات متواجدة أيضا في البويضة ولها وظائف حيوية في نمو وتكاثر الخلايا الطبيعية والسرطانية.

  • 2- ما المأمول من استخدام هذه الخلايا؟

  • الهدف الرئيسي لإنتاج هذه الخلايا هو الطب التجديدي من حيث استخدام هذه الخلايا كخلايا تعويضية لعلاج الأعضاء التالفة كالقلب والكبد والجهاز العصبي أو حتى تخليق كرات الدم الحمراء بغرض نقل الدم (شكل 1). ويمكنها أيضا أن تستخدم كنموذج معملي لدراسة الأمراض وللكشف عن الأدوية لمثل هذه الأمراض مثلما حدث من انتاج خلايا جذعية مستحثة لمجموعة من الأمراض الوراثية البشرية مثل متلازمة داون، داء الكلية متعددة الكيسات، ومتلازمات اضطراب نظم القلب الوراثية. يهتم الباحثون الآن باستخدام هذه الخلايا لعمل أشباه أعضاء organoids وذلك كنموذج مصغر للأعضاء الحقيقية لدراسة فسيولوجية الأعضاء أو كي تكون نموذجا للدراسات المرضية أو الدوائية.
  • 3-ما التطور الملحوظ في استخدام هذه الخلايا في علاج أمراض البشر وفي مجال الخلايا الجذعية عامة؟

    تم الموافقة على استخدام هذه الخلايا بغرض العلاج التجريبي في بعض الأمراض مثل مرض الشلل الرعاش Parkinson’s disease  و مرض التنكس البقعي macular degeneration في العين المؤدي للعمى و اصابات القلب و الحبل الشوكي حيث تم توثيق أكثر من 130 دراسة سريرية clinical trial لعلاج أكثر من أربعة عشر مرض على مستوى دول عديدة لتجربة هذه الخلايا و استخدامها في العلاج الخلوي للإنسان. وتم علاج أول مريضة بالعمى من مرض التنكس البقعى عام 2014 بعد تمايز هذه الخلايا لتكوين خلايا الظهارة الصبغية الشبكية والتي تؤدي دورًا مهمًا في دعم وتغذية خلايا الشبكية التي تلتقط الضوء لحدوث الرؤية لكن هذه الطريقة أثبتت بعض المشاكل في المرضى التي تم حقنهم فيها لاحقا. وحديثا في عام 2022 تم الاستغناء عن حقن الانسولين لمريض السكري بعد حقنه بالخلايا الجذعية المحورة لخلايا بيتا Beta cells of Langerhans المسؤولة عن افراز هرمون الإنسولين في الجسم. يوجد العديد من التجارب على استخدام هذه الخلايا للعلاج في الحيوانات المختلفة قبل تجربتها على الإنسان لضمان خلوها من أضرار قد تصحب العلاج الخلوي. أما في الاستخدام الغير مباشر لهذه الخلايا و الاستفادة منها في تحسين انتاج الخلايا الجذعية الأكثر قدرة على التمايز فقطع الباحثون شوطا ملحوظا في انتاج خلايا جذعية موسعة القدرات expanded potential أو حتى تصل إلى مرحلة مشابهة للخلايا الجذعية كاملة القدرات totipotent stem cells المتواجدة في مرحلة الجنين ذا الثماني خلايا 8-cell embryo مثلما نشر هذا البحث في شهر مارس 2022 في مجلة نيتشر و الذي استخدم فيه باحثون صينيون طريقة مباشرة لتحوير مثيلة الجينوم إما بتحفيز أو تنشيط التعبيرات الجينية باستخدام مادتي DZNep (3-deazaneplanocin A) التي تحور من مثيلة methylation الجينوم بالإضافة لمادة (trichostatin A) TSA التي تحور من أستلة الهستون histone acetylation و من ثم تتحول الخلايا الجذعية المستحثة لخلايا جنينية تشبه في خصائصها التي تكون متواجدة بعد مرحلة تنشيط جينوم اللقحة Zygotic genome activation والتي تحدثنا عنها في المقال السابق (مقال 2). بعد تكوين هذه الخلايا الجنينية يمكن أن تستخدم في تكوين أجنة اصطناعية blastoids أو تحفيزها وتمايزها للخلايا الجسدية الأخرى.

  • 4- هل يوجد طرق أخرى لانتاج مثل هذه الخلايا؟

  • استحدث الباحثون طرقا بديلة لتحويل الخلايا البالغة إلى خلايا جذعية مستحثة إما باستخدام طرق أخرى لإيصال الجينات الأربعة مثل الحينات القفازة transposons كبديل للفيروسات أو إضافة جينات أخرى مثل nanog  أو Lin28 أو Glis1 أو حتى استخدام مواد كيميائية أو مواد محفزة أو الأحماض النووية الريبية الدقيقة microRNA للاستغناء عن التحور الجيني للخلايا.

    5-هل لهذه الخلايا أي عيوب؟

  • – صعوبة الحصول عليها وزرعها حيث أن برمجة الخلايا المتمايزة تواجه صعوبات في الحصول على نسبة كبيرة من التحور الجيني المطلوب لتحولها لخلايا جذعية معاد برمجتها لتشبه الخلايا الجنينية بالإضافة لطول فترة زرع الخلايا والعدد الكبير المطلوب في العلاج.

    – تحولها لأورام نظرا لوجود بعض الجينات المستخدمة والتي قد تحدث خللا غير متوقع في انقسام الخلايا مما يكسبها الصفة السرطانية. وقد ذكر شينيا ياماناكا نفسه في مقال له عام 2020 بخصوص العوائق التي تحيط استخدام هذه الخلايا في العلاج مثل الرفض المناعي والخلل الفوق جينيepigenetics الناتج من إضافة أو تنشيط بعض الجينات في هذه الخلايا.

  • على الرغم من وجود عيوب مصاحبة لهذه الخلايا -وحتى لا يضيع مجهود العلماء على مر السنوات الماضية- يجتهد الباحثون في محاكاة الحالة الجنينية وإيجاد أنسب الوسائل لإعادة برمجة الخلايا الجسدية المتمايزة لتصل للحالة الجنينية مع تفادي أي أخطار مستقبلية من استخدام هذه الخلايا بعد العلاج. ويجب التنويه أنه لا يوجد أي علاج معتمد بالخلايا الجذعية إلا في بعض المراكز التي أخذت الموافقة الأخلاقية للدراسات السريرية المبدئية الموثقة ولا يجب للمجتمع أن ينساق حول ما قد ينتشر في وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي من استخدام سحري أو آمن للعلاج بالخلايا الجذعية وأن يستاقوا معلوماتهم الصحيحة من البوابات الرئيسية العلمية المعتمدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.